الشنقيطي

505

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومحل الشاهد منه قوله : وقال في الميزان مثل ذلك ، ومعناه ظاهرا جدا في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في منع الربا . وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور في سورة « البقرة » . وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثنا عبد اللّه بن مسلمة بن قعنب ، حدثنا سليمان يعني ابن بلال ، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن : أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكلّ تمر خيبر هكذا ؟ » . قال : لا واللّه يا رسول اللّه ، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان » « 1 » انتهى منه . وقوله في هذه الحديث المتفق عليه « وكذلك الميزان » ظاهر جدا في أن ما يوزن كما يكال ، وأن في ذلك كله الربا . ولا شك أن هذه الأحاديث التي عمل بها بعض الأئمة وإن استهزأ بهم الظاهرية في ذلك - أقرب إلى ظاهر النص من قول الظاهرية : إنه لا ربا إلا في الستة المذكورة قبل . والمقصود التمثيل لأحوالهم مع الأئمة المجتهدين رحمهم اللّه . تنبيه اعلم أنا نقول بموجب الأحاديث التي استدل بها الظاهرية ، على أن ما سكت عنه الشارع فهو عفو ، ونقول مثلا : إن صوم شهر آخر غير رمضان لم يوجب علينا فهو عفو . ولكن لا نسلم أن آية : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] ساكتة عن تحريم ضرب الوالدين ؛ بل نقول هي دالة عليه ، وادعاء أنها لم تتعرض لذلك باطل كما ترى . ولا نقول : إن آية فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ الزلزلة : 7 ] الآية ساكتة عن مؤاخذة من عمل مثقال جبل ؛ بل هي دالة على المؤاخذة بذلك . وهكذا إلى آخر ما ذكرنا من أمثلة ذلك في هذه المباحث ، وفي سورة « بني إسرائيل » . وما ذكرنا سابقا من أن الصواب في مسألة القياس أنه قسمان . صحيح ، وفاسد ؛ كما بينا وكما أوضحه ابن القيم رحمه اللّه في كلامه الذي نقلنا - اعتمده صاحب مراقي السعود في قوله في القياس : وما روي من ذمه فقد عنى * به الذي على الفساد قد بنى المسألة الثامنة اعلم أن جماهير القائلين بالقياس يقولون : إنه إن خالف النص فهو باطل ، ويسمون القدح فيه بمخالفته للنص فساد الاعتبار ؛ كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساقاة ، حديث 94 .